القانون وتربية الضمير د. رجب بن علي بن عبيد العويسي

د. رجب بن علي بن عبيد العويسي - مدونة الحوار- 2013م http://alhwaraleegabe.blogspot.com

القانون وتربية الضمير
§       من أجل تحول نوعي في مفهوم القانون والغاية منه؟
د. رجب بن علي بن عبيد العويسي
يدرك الجميع أهمية القانون ووظائفه في الحياة والمجتمع و التنمية، فهو بالإضافة إلى دوره في حفظ النظام وتحقيق العدالة وترسيخ اسس وقواعد العمل المؤسسي في المجتمع ،  يقوم بأدوار أخرى قد تكون غير ظاهرة لدى البعض، لذلك يأتي مقالنا هذا ليثير تساؤلين مهمين عند الحديث عن القانون وهما: هل ينبغي أن يقتصر دور القانون على ايقاع العقوبة وإنفاذ الجزاء ، أم أن عليه أن يرسم نمطاً جديداً للفرد في مستقبل حياته؟ وما المطلوب فعله في سبيل تعزيز فهم أفضل للأبعاد الأخلاقية والنفسية والوجدانية للقانون ودوره في تربية الضمير وإعادة صياغة بناء الشخصية الإنسانية؟
يجد البعض في دور القانون في إيقاع العقوبة بالمخالفين والمتجاوزين هو الغاية القصوى منه وهي النواتج النهائية من تطبيقه، بيد أن الأمر لا يقف عند هذه النقطة وإنما هناك أمور أخرى ينبغي أن يكون القانون مدركا لها، قادرا على تلمسها والوصول إلى تحقيقها، فلا ينتهي دور القانون عند ما ذكرنا بل هناك جوانب أخرى ينبغي أن يكون القانون قادرا على تحقيقها بل ومؤصلا لها في تشريعاته ولوائحه وأنظمته، وهي جانب التأثير الايجابي الذي يفترض للقانون أن يغرسه في نفوس الجناة أو المتجاوزين له، والسلوك النوعي والتصرف الخلاق الذي يفترض أن يكون أحد تبعات القانون ونواتجه،  وبالتالي تأكيد جانب التواصل الروحي والتأثير النفسي الذي ينعكس على أخلاقيات الفرد وسلوك الجناة بعد تطبيق القانون، وبمعنى آخر أن قياس قدرة القانون على تحقيق غاياته والوصول إلى أهدافه  لا يقتصر عند تطبيق العقوبة وحصول الفرد على الجزاء الذي يستحقه أو الذي أقره القانون بل ماذا بعد تطبيق العقوبة والتأثير الحاصل في  فكر الفرد ووجدانه وسلوكه ومستوى التغيير الحاصل في قناعاته وأفكاره السلبية وإزالة اللبس والتراكمات الداخليه الحاصل لديه ، وذلك من خلال تربية الضمير وبناء الذات الجديدة،  وتعزيز الروح الايجابية الذاتية للفرد في شعوره بضرورة توبته وعودته إلى الحق والصواب وتركه لكل ما يؤدي إلى ايقاع العقوبة أو تنفيذ الحق عليه،  وهو ما يعني ضرورة أن تتوفر أدوات واضحة للقانون يقيس فيها ذاته ومستوى قدرته على الوصول إلى تحقيق الغايات الكبرى وهي بناء مجتمع واع مدرك لمسؤولياته، وبناء الإنسان الواعي بحدود تصرفاته وما يحق له ، والخطوط التي يجب الوقوف عندها، المدرك لحق الله والوطن والإنسانية والعالم أجمع، وبالتالي ذلك الشعور الذي ينتفض حياته ويغير مجراها ويؤصل فيها معاني جديدة في المحاسبية والتقييم الذاتي والمساءلة عن التصرف والمراجعة لكل خطواته والتقييم الدوري لكل ممارساته وما يصدر منه من قول أو فعل ، وبالتالي فهو يبني شخصية جديدة ويضع الفرد أمام واقع جديد وحالة متجددة  تنتظر منه أن يكون عونا للقانون ليأخذ مجراه والتشريع ليأخذ حقه،
هذه الحقائق لا شك ينبغي أن تكون حاضرة في أي قانون ينشد الفاعلية ويستهدف تحقيق البناء الإنساني ويؤصل لثقافة الوعي، ذلك أن تحقق الوعي القانوني إنما هو نتاج لذلك التفاعل الحاصل بين الفرد وذاته وإحساسه بالخطأ الذي ارتكبه ورغبته في تغيير سلوكه وإعادة صياغة نفسه وتعديل وتصحيح مسار عمله وتوجيه طاقاته نحو الاستفادة من المواقف التي حصلت له، وتوظيفها بالشكل الذي يؤدي الى تعزيز الروح الإيجابية التفاعلية الوقائية  لديه ليصبح القانون بمثابة الحصن الحصين للفرد  في مراجعة نفسه مراجعه متأملة ومحاسبة نفسه وجلد ذاته وتعويدها على الأفضل من الفعال والأجود من الخصال.
 إن هذه القيم النبيلة هي محط نجاح القانون وقدرته على التفاعل مع الهدف الذي جاء من أجله، وحصوله على مستوى من القوة والدعم الفردي والاجتماعي والنافذية في التطبيق، وعندما لا يستطيع القانون أن يحقق هذا الجانب أو يربي الضمير ويبني الشخصية ويؤصل للقيم العليا والمثل السامية في ذات الفرد والسلوك الاجتماعي ويصنع القدوات من البشر، فإنه يعني عدم قدرته على الاستمرارية ويصبح قبوله من قبل المجتمع لمجرد رهبة وليس نابع عن اختيار وإرادة ورغبة ، مما يعني أن نافذيته في التطبيق مرهونة بمستوى الخوف والرهبة التي يولدها في قلوب المستهدفين وبالتالي فإن نطاق تأثيره سيكون مقصورا على احوال معينة وأماكن وأزمنة محددة، لذا يصبح بعد حين تجاوز حدوده والتعدي عليه امراً مشاعا بين افراد المجتمع، والاستهانة به أمراً معتاداً عند الكثير منهم.
من هنا فإن قدرة القانون على تربية الضمير وتعزيز مستوى الرقابة الذاتية لدى الفرد وترسيخ جانب الممارسة القائمة على التأمل والمراجعة وجلد الذات والنقد الذاتي  يتطلب أن يتحقق للقانون الآتي:
·        أهمية التأكيد على أن القانون ليس مجرد تشريعات ولوائح وأنظمة جامدة بل هو روح تنبض ومنهج عمل يرسم الطريق ويوجه مسار الحياة لدى الافراد بشكل يتأقلم مع احتياجاتهم ويلبي مطالبهم وينمي فيهم رغبة التطبيق والبحث عن المخرج أو الحل للوضع القائم في إطار مزيد من الترابط والتكامل والانسجام بين نصوصه وقواعده ومبادئه والفرد وطبيعته المتغيرة واحتياجاته وأولوياته.
·        من المهم أن يركز القانون على الجانب النفس والشعوري لدى الفرد وبالتالي فإن ما يمثله من نصوص وقواعد إنما تستهدف في الاساس تحقيق جانب السكينة والاستقرار والشعور الايجابي لدى الفرد الجاني بأن القانون جاء لحمايته في بدنه وعقله ونسبه وعرضه وضميره وإحساسه، فهو بمثابة الحصن والحضن له والجهة التي يحتمي بها ويسعد في ظلها لما يوفره له من أمن وأمان واستقرار بما يحقق مبدأ العدالة ويوقع العقوبة، بحيث يكون ايقاع العقوبة بمثابة دافع لدى الفرد بتخلصه من الذنب الذي ارتكبه أو الجرم الذي اقترفه، فهو بمثابة مطهر له لأنه سيولد لديه معاني جديدة للحياة .
·        من المهم أن يقوم القانون على مبدأ الشراكة في عملية صياغة القواعد القانونية والنصوص المرتبطة بها، بحيث يشارك فيه الجميع وبخاصة تلك الفئة المعنية به، بشكل يجعل من عملية التطبيق نافذة ومقبولة ومتبناه من الجميع، وبالتالي فإن القانون عندما يبتعد عن مشاعر الناس وطموحاتهم وأفكارهم ويعمل على ايجاد تذمر من قبل الأفراد فإن عملية تطبيقه لن تكون بذلك المستوى من الاهتمام به، كما لو كان معبرا عن رأي الجميع ومرتبطا بحاجة يشعر الجميع بضرورتها وأولويتها وأن هذا القانون جاء بمثابة المنقذ والمساند لهم فإنه بالتالي سوف تتلقاه القلوب والأفئدة أكثر من الألسنة ويصبح عملية تطبيقه هو قناعة من الجميع بالحاجة إليه ، وان عملية تطبيقه تعتبر ضرورة لكل فرد ينشد الاستقرار والأمان وتحقق إرادته ورغبته في بناء ذاته.
·        يجب أن يضع أي قانون في حقيقة وجوده، أنه جاء لخدمة الناس ومساعدتهم والمحافظة عليم حياة وحقوقا وغيرها، وبالتالي لا ينبغي أن يكون القانون أداة إرهاب وتخويف وتحذير وإنذار  بقدر ما هو أداة إصلاح ووقاية وعلاج وتصحيح للذات البشرية وتوجيهها نحو تلمس الأفضل، فالقانون في حقيقته معاني إنسانية لها نافذية كبيرة على الدخول في شغاف القلوب ليصل إلى صقل حقيقي للروح والقلب والمشاعر فيخرجها بطريقة مختلفة وحياة جديدة تحمل الخير للفرد ولمجتمعه، فعندما يصبح القانون في وجدان الناس يصبح صديقا لهم معايشا متعايشا مع آمالهم وآلامهم وأحلامهم وطموحاتهم وعندها يزال حاجز الرهبة والخوف من التطبيق أو لمجرد التطبيق بالإكراه وبمراقبة رجال القانون ورجال الأمن إلى كونه سلوك فردي ومجتمعي يشعر الجميع بالحاجة إلى تطبيقه والعمل بمقتضى قواعده ونصوصه، فتصبح رقابة الذات والضمير هي المرتكز  من القانون وتطبيقه .
·        ان من بين الأمور التي تعزز من قدرة القانون على التفاعل مع طبيعة المستهدفين اعتماد عملية صياغته على دراسات وبحوث نفسية واجتماعية وثقافية وفكرية وأسرية وغيرها،  وبالتالي فإن ما تصل إليه تلك الدراسات من مؤشرات ونتائج وحقائق سوف يمهد بلا شك إلى مرحلة من الثقة في القانون وقدرته على تحقيق الغايات من وجوده، وبالتالي كان من المهم أن تشارك في صياغة القاعدة القانونية الكثير من المؤسسات المعنية بالبناء البشري والجانب النفسي والتعليم والتعلم ومؤسسات التنمية البشرية ومراكز التنمية الاسرية والصحة النفسية ومؤسسات الأحداث والطفولة والشباب ، وأن تسهم عملية الجهد المشترك من الجميع في  الوصول بالقانون الى مرحلة من قدرته على بناء ضمير الانسان ومعالجة جوانب القصور والنقص لديه.
·        من المهم أن يضع القانون في اطاره التشريعي الاجابة عن التساؤل ماذا بعد تنفيذ العقوبة؟ أو إيقاع الجزاء بالشخص المخالف أو المتجاوز للحق العام والشخصي؟ بمعنى أن يرسم الطريق أمام الفرد المرحلة الجديدة التي يفترض أن يقبل عليها أو الهيئة والشخصية الجديدة التي تتولد عن تطبيق القانون ، ونوع السلوك الذي يمكن أن يتغير والآلية التي يمكن توظيفها في سبيل تحقيق هذا التأثير النوعي ، وبالتالي لا يجب أن يقف عند حد ايقاع العقوبة فقط، لأنه في هذه الحالة قاصر عن تحقيق الهدف وناقص عن بلوغ الغاية والوصول ‘إلى المقصد’
·        على القائمين على تطبيق القانون فهم هذه الحقائق وتعزيز هذا الوعي لديهم وتوظيف القانون في تحقيق الصورة الايجابية المنشودة التي تضمن تحقق الاثر الناتج من تطبيق القانون على الفرد، وبالتالي كان من المهم أن يكونوا القدوة و المثال وأن تتوفر لهم القدرة على فهم حيثيات القانون والتعامل مع مقتضيات نصوصه وأحكامه بكل اريحية ومرونة وشفافية وتفاعلية واستشراف المستقبل المنظور من تطبيق القانون.
إن أي صياغة لأي قانون يسعى لمعالجة حياة الناس ينبغي أن يراعي هذه الجوانب حتى يكتب له التطبيق والقبول عن رغبة وقناعة وشعور متبادل بأهميته، وبالتالي فإن الناظر للكثير من القوانين ومستوى العمل بها وتجاوز الناس لها يستدعي الوقوف عند هذه اللطائف ومحاولة اعادة صياغة جذرية للعديد من القوانين بما يضمن تهيئة الرأي العام لها وتقبله لها ، وإذا كانت الحياة اليومية في ظل المدنية المعاصرة تتطلب الحاجة إلى زيادة القوانين والتشريعات المنظمة لحياة الناس فإنها أيضا تتطلب مراجعة لكل القوانين وقراءة متأنية واعية لها ، تراعي في الحسبان الظروف الشخصية والأسرية والنفسية والاجتماعية والمهنية وغيرها للفرد ، ومدى قدرتها على امتصاص كل الاشكاليات والتحديات التي تقف في وجه تطبيق القانون وتفعيل العمل به لدى الفرد والمجتمع، إننا من كل ما أشرنا إليه أأن نؤكد على حقيقة الربط والانسجام بين القانون وبناء الضمير وتقوية الوازع والشعور لدى الفرد، وأن يعمل القانون على اثراء هذا الجانب في حياة الفرد وتأصيله  في ذاته وبلوغه مقاصده، وبالتالي ففي تقديري فإن تعمد مخالفة القانون من قبل البعض وعدم الالتزام بمقتضياته وبشكل خاص فئة الشباب ومحاولة ايجاد اعذار غير منطقية  تضمن عدم تحقيق العقوبة أو المجازفة من البعض وضعف الوعي القانوني لدى الكثيرين في المجتمع، يؤكد الحاجة الى المراجعة والتقييم للقوانين في مختلف مراحل عملها وفي مجال التأثير المتوقع منها وفي ارتباطها بثقافة الفرد وسلوكه ومقومات شخصيته وعدم قدرة القانون على ملامسة شغاف القلوب وتحصين الذات من ترداد ما كانت تعمل، بل والنظر في جانب الخصوصية الفردية التي تتطلب دراسة الحالة النفسية والفكرية للجاني ، وبالتالي فإننا بحاجة الى القانون الذي يصدق مع ذات الانسان ويصدق الانسان بتطبيقه ولا يتحقق هذا الشعور المتبادل إلا إذا أدركنا المهمة التي ينبغي للقانون أن يكرسها في حياة الامم وهي تربية الضمير وبناء منهجية جديدة لحياة الناس تعزز فيهم قيم المراجعة والاعتراف بالخطأ والقصور وجلد الذات وتأديبها بإرجاعها الى صوابها ، فهل سنعي هذه الجوانب المهمة من أجل  قانون يفهم ما يريده الإنسان ويفهمه الإنسان أيضا من أجل حياة افضل ومستقبل مشرق.

وإلى لقاء آخر

تعليقات